العودة للجذور- قراءة في معرض "عنات" لأحمد كنعان

بقلم  روز شوملي - 2003

زيارتي الأولى للناصرة ارتبطت بمعرض الفنان "أحمد كنعان”. ذهبت أبحث عن الجذور في العائلة، فوجدتني ألتقي بجذوري في التاريخ.

كانت تمطر في الخارج، لكن رغم المطر، كان هناك عدد كبير من الذين يقدرون الفن. ورغم الكلمات التي أشادت بقدرة الفنان، وبعظمة فنه  ظل "أحمد كنعان” محافظاً على تواضعه، وبساطته، وكان بالإمكان أن تقرأ ذلك في احمرار وجهه.

معرض "أحمد كنعان” لم يكن الأول، بل هو معرضه الثامن الفردي، بالإضافة إلى مشاركته في أكثر من ثلاثين معرضاً جماعياً.

معرضه كان بعنوان  عنات. حيث يستوحي “كنعان” أسطورة الآلهة الكنعانية عنات والحضارة العربية القديمة. ولا بد أن لاسم عائلته دور في العودة إلى الجذور، حيث يستقي منها رموزه ومن الحاضر موضوعاته.

مجموعتان من الألوان تميزان أعمال أحمد “كنعان”. الأزرق المخضر والأحمر البرتقالي: البرودة والدفء، لونان تنساب بينهما الحياة وتتجدد. يتناغمان في توازن مرئي على صعيد اللوحة الواحدة أو على صعيد مجمل الأعمال  - هما تزاوج السماء والأرض، الرجل والمرأة، وحوار دائم بين القطبين.

الأزرق المخضر يسكن لوحاته الأولى بتأثير المكان.  البيوت القديمة في بيت حنينا تأسره بشبابيكها الملونة، وفي عناتا حيث الآثار الكنعانية، تسري أسطورة عنات في ريشته وأزميله، وتتداخل مع البيوت المربعة الشكل، والقبب الملونة. وهناك على صرح الجمال  شيدت مستوطنة عناتوت، كي تسلب المكان أصالته، واسمه.  

يعود أحمد إلى أصوله، إلى كنعان يستوحي من رموز الأسطورة مادته. وتصبح عنات، وما تمثله من خصب، رمزاً يتكرر في لوحاته.

عنات، آلهة الزراعة تحتل لوحة كاملة، أحياناً تقف شامخة بعصاها رمز القوة، وأحياناً أخرى تصبح الوحدة الزخرفية التي تتكرر في كثير من اللوحات والمجسمات.  

 

في معبد عنات، ينتظم التوازن بين مجموعتي الألوان، الأزرق المخضر يمثل الخلفية لعنات والمساحة الأمامية تمثل اللون البرتقالي المائل إلى لون الحصاد.  عنات دون وجه، وكأنه محرم على الآلهة أن تكشف النقاب عن وجهها. عنات تقف وفي يدها العصا رمز القوة، شامخة، تزيدها الخطوط الأفقية للمشاطيح استطالة وشموخاً وبروزاً. تقف في إطار من الزخارف، تتشابه وتختلف في تناغم شكلي ولوني رقيق.

عنات تتكرر كوحدة زخرفية لتشكل في تكرارها الهلال الخصيب الذي هي سيدته. وتصبح الدفء الذي يشع على برودة الهلال فيجعله خصباً.

عنات، الأرض، وكل ما يضيف إلى خصب الأرض هو موضوع “كنعان”.  لذلك يرسم “كنعان” السهول ويجسمها بألوان يقترفها من تراب الأرض على شكل أنماط وخطوط تتمايل مع ظلال البنّي.  تلمس أصابعك سطحها فتشعرك بنعومة الملمس وخشونته حسب بروز الخطوط واتجاهاتها.

يجسد “كنعان” الفلاحة والفلاح، الحارث والمحراث، الطاحونة، وما يستخدم الفلاحون من أدوات بحسية تلتقط لحظة في تطور الزراعة وخصب الأرض. وربما كان الحديد والخشب والحجر، أصدق تعبير عن طبيعة الأدوات، وعن خشونة الفلاح وامتداده مع الأرض. تماماً كما تظهر عنات صلابتها بالخشب والمعدن، تلك الصلابة التي ارتبطت بالفلاحة والأرض.  

وكما المحراث والطاحونة تعبر عن لحظة في تطور الزراعة، هكذا أيضاً تعبر آلات الموسيقى، وصلاة الإستقساء، واختيار الألوان عن مرحلة في تاريخ الحضارة.

في لوحاته، يستخدم “كنعان” ألواناً زيتية، يبينها طبقة طبقة. ينتظر اللون كي يجف بين طبقة وأخرى فيحافظ على شفافية اللون، ويكسبه هدوءاً خاصاً تظنه للوهلة الأولى لوناً مائياً.

أتحسس بعض الأشكال، فأشعر باللون يدغدغ أصابعي. يقول أحمد، "أخلط اللون بالسليكون فيصبح اللون نافراً."

رغم المطر، قطعت المسافة إلى جناح المبنى الآخر، حيث كانت اللوحات الزخرفية، والتماثيل وبعض الرسومات التي لم يتسع لها المبنى الأول. في اللوحات، كانت وحدات من فراشات، وطيور وغزلان تتكرر حتى لتظنها مرآة نفسها، لكن الأشكال إذ تختلف، يوحدها اللون، والألوان إذ تختلف، يوحدها الشكل. وفي التكرار فكرة تتعزز.

وكما هو الحال في عنات، هو الحال مع الفراشات والغزلان والطيور حيث تتحول إلى وحدات زخرفية فتصبح أرض الفراشات أو أرض الغزلان، وكل وحدة هي الأخرى وغيرها من حيث اللون والشكل فينكسر الممل. يقول "كنعان"، تحولت هذه اللوحات الزخرفية إلى جداريات للمدارس، أنجزتها أنا وطلابي."

الطائر الذي يحاول أن يحلق ما استطاع إلى ذلك سبيلا تجده ماثلاً في معظم لوحات “كنعان”. الطائر أو الفراشات تجدها تتسلل خلسة إلى اللوحات كأنها ضرورة لتكتمل فكرة الحوار بين الأرض والسماء. وكأن “كنعان” يحاول أن يدور على الموضوع بطريقة أخرى، أو أنه يحاول أن يدخل إلى الموضوع في العمق.  أجنحة الطائر تتوحد مع المحراث كنمط آخر للعلاقة بين الأرض والسماء.  محاولات متكررة للطيران بالألوان المائية والمنحوتات الخشبية والحديد. وكأن حلم الطيران ليس حكراً على عباس بن فرناس. وليس على الفكرة المعبر عنها بالزيت. حلم الطيران للجميع، ويعبر عنه بالزيت، بالخشب، وبالمعدن أيضاً.

 

حلم الطيران أمنية الذين فقدوا الشعور بالحرية والأمل في التحليق. الطائر في لوحات “كنعان” يحلق فوق الحواجز. والحواجز في لوحاته وتشكيلاته تحول الناس إلى صف متراصٍ طويل، وكأنهم مصلوبون على المشاطيح <ألواحه الخشبية>. الناس يصبحون مجرد خط طويل، وكأنهم يفقدون أجسادهم.  وكما يرى  “كنعان” الحاجز، يرى الجدار وقافلة تمر، كأنما الرحيل. هل كان لدى أحمد الشفافية والحس بالمكان كي يتنبأ بالجدار الفاصل؟

يرسم "أحمد كنعان" معاناة العامل والفلاح الذي يضطر إلى ترك قريته للبحث عن لقمة العيش. يقول "كنعان" وهو يشير إلى لوحة لرجل طاعن في السن بدا عليه التعب والقهر، "هذا الرجل حقيقي، عمره 70 سنة، يأتي من قرى جنين، يقطع الجبال كي يصل إلى طمره. لا أحد يدري أين ينام، لكننا نعرف أنه يعمل في البناء، أو في الحدائق. عمله شاق. صدفة، كان ماراً من أمام المرسم، فاستأذنته أن يرسمه الطلاب، جلس وكأنه من تعبه غفا. نام ساعتين كانتا كافيتين كي أرسمه."

كان الرجل الطاعن في السن يقبع خلف دوائر معتمة، وخارجه مضيء. سألت كنعان، عن الدوائر فقال، " الدوائر تشير إلى أنه يعيش وكأنه غير مرئي. هو موجود وغير موجود. هو ليس جزء من المجتمع، لكنه هنا. هو هنا بشكل غير قانوني، فهو يعيش بيننا لكن كأنه غير موجود."

إلى جانب صورة الرجل الطاعن في السن، لوحة لحمار يركبه طفلان، سألت أحمد كنعان عن رمز الحمار فقال،"ركوب الحمار كان لنا متعة. في اليامون (منطقة جنين) حيث كان يسكن جدي، عدد كبير من الحمير كنا ونحن أطفالاً نتنافس على ركوبها. وكان ذلك يشعرنا بالسعادة. وهذا الحمار هو الحمار الأخير في طمره. رأيت ولدين يركبانه وكانا سعيدين، فتذكرت طفولتي ورسمت هذه  اللوحة."

ينحت "أحمد كنعان” اللجوء على طريقة الأسطورة، فترى القارب الفينيقي يحمل لاجئين، وفي انحناءات أجسامهم انكسار اللجوء، وقارب آخر  يمتلئ بمفاتح البيوت التي ظلت واقفة كأنها أصحابها، أو مكورة بعضها على بعض، أو مكونة لشراع، وكأن المفاتيح تعرف طريق البيت. القارب قد يكون مصنوعاً من حجر، أو خشب أو حديد، ويكسبه  لون الحديد والخشب كثيراً من الحزن، وشيئاً  من قسوة الموقف. المركب وحيد، ولا شيء سوى الفضاء.

نساء "أحمد كنعان” دون وجوه.  سألته، "هل  سمة المرأة الغياب؟ أم أن المرأة مثل عنات لا تظهر وجهها؟" قال، "هي طريقة  لتجسيد الوجوه دون نحتها.."

كانت قد بدأت تمطر، ونحن نعود إلى حيث لوحاته المعروضة في المبنى القديم. أردت أن أحث السير كي لا أبتل، لكنه كان يعصر فكره، وكأن فكرة سيطرت عليه. سأل فجأة، "هل ترين محمود درويش؟" قلت، "لماذا تسأل؟"  قال، زرته مرة في بيته في عمان مع مجموعة من الفنانين التشكيليين، ربما لا يتذكرني هو، لكن من قصائده استوحيت الكثير من الموضوعات." قلت مستفسرة، "كيف؟" قال منفعلاً، الآلهة عنات، بعل، الفراشات، أرض الغزالة والأرجوان. يعيدني محمود إلى الجذور، إلى الأسطورة القديمة، فأستقي معانيها."

صمت قليلاً، وأضاف ولا تزال حبيبات المطر تتساقط دون أن يبدو عليه أنه يشعر بها، "سأرسل له كتابي، هل يمكنك حمله؟" قلت يسرني ذلك. لم يكتب شيئاً إلى محمود، لكنه قال، سيعرف هو كم تأثرت به."