عن اعمال احمد كنعان الفنيه

 عزيزه دياب

تتنوع أعمال كنعان الفنية بين تقنيات مختلفة كالنحت والرسم والنقش. وتكثر لديه أعمال النحت ومنها التماثيل الحرة من الحديد أو الخشب والتماثيل البيئية المنتشرة

تتنوع أعمال كنعان الفنية بين تقنيات مختلفة كالنحت والرسم والنقش. وتكثر لديه أعمال النحت ومنها التماثيل الحرة من الحديد أو الخشب والتماثيل البيئية المنتشرة في أماكن عامة مختلفة. تبرز بين أعماله مجموعة من المسطحات البنائية التي نلاحظ فيها مهارة الفنان في توظيف مواد بسيطة، ذات مدلولات رمزية عميقة من حياتنا اليومية، متواصلا بذلك مع تراثه وهويته وبيئته. أما الرسومات الزيتية لكنعان فتنقسم الى مجموعتين: الاولى هي الرسومات الزيتية المجردة، والثانية هي مجموعة من رسومات الزخارف المستوحاة من فن الزخرفة الإسلامي والشرقي. وهناك، أيضا، مجموعة من الجداريات المصنوعة من الفسيفساء، وهي مأخوذة عن لوحات الزخارف وقد تم تنفيذها على جدران بعض المدارس بمساعدة الطلاب.
يستهل كنعان سيرته الفنية مع مجموعة المحاريث التي بدأ بها عندما كان تلميذا في السنة الأخيرة في أكاديمية بتساليل في القدس. تعرّف كنعان، في تلك الفترة، على أساليب الفن الغربية العالمية، لكنه قرر البحث عن ذاته وجذوره من خلال ممارسة الفن، مبتعدا عن مصادر الإيحاء الغربية ومتقربا من شعوب البلاد الأصليين. ولعل اسم عائلته كنعان كان المصدر الأول الذي بدأ به رحلة الاستكشاف التي ما زالت مستمرة حتى يومنا هذا. فالكنعانيون هم السكان الأصليون لهذه البلاد، وهم الذين أدخلوا أساليب الزراعة البدائية، ومنها المحراث الذي ما زال مستعملا حتى يومنا هذا. مجموعة المحاريث لكنعان هي عبارة عن عدة تماثيل تتنوع في تصميمها مصنوعة من الخشب أو من الحديد أو من كلتا المادتين. بعضها عبارة عن مجسمات مجردة تدمج بين جسم الإنسان أو الحيوان وبين عود الحرّاث. للفراغ دور مركزي في تكوينات المحاريث. لا يغلف كنعان مجسماته الحديدية بل يجعل بين الأجزاء المختلفة فراغا يمكّن المشاهد من النظر من خلاله. هذا التلاعب بين ثبات الحديد وثقله على الأرض وبين الأجزاء الفارغة يعطي لتماثيله بعدا تصميميا يربط بين التمثال والبيئة المحيطة من جهة، وبين خيال الناظر الذي قد يستكمل الأجزاء الفارغة بمخيلته، من جهة أخرى.
الأرض والسماء - هو أحد هذه الاعمال ، وهو دمج بين عود الحراثة المنغرس عميقا في الأرض وبين جناحي طائر عملاق في مرحلة الهبوط الى الأرض. يدمج هذا المحراث المجنح، أكثر من غيره من المحاريث، بين فكرة التمسك بالأرض وبالجذور وبين فكرة التحليق حرا طليقا في الفضاء، إلا أن ثقل التمثال المتجه نحو الأسفل يشده ويجذبه نحو الأرض.
على الرغم من التشبيهات العديدة التي تثيرها في مخيلتنا محاريث كنعان، على أنواعها، والمرتبطة بعلاقة الإنسان بالأرض، على الصعيد العام، وبواقع الأقلية الفلسطينية التي ينتمي إليها الفنان، على الصعيد الخاص، نلاحظ أن تماثيله تقف على الأرض بثبات وصمود جامعة بين حكمة وصبر الشيوخ، من جهة، وبين أبدية الآلهة، من اخرى.
من بين التماثيل الحرة لدى كنعان تمثال أبو جمعة - عازف الناي المصنوع من الخشب. تبرز فيه البراغي التي تصل أعضاء جسمه بعضها ببعضٍ، محوّلا هذه الشخصية الواقعية لعازف معروف، في إحدى الفرق الموسيقية الفلسطينية، إلى إنسان آلي. يحاول كنعان أن يقول لنا شيئا عن عزلة هذا العازف المسنّ الذي أصبح هو وآلته جزءا من تراث قديم يكاد لا يجد له ولشبابته مكانا في الفرق الموسيقية العصرية. أما في بنائية آلة موسيقية والمصنوع من الخشب والحديد فيتناول الفنان، مرة أخرى، موضوع الموسيقى من خلال عرض آلة وترية مفككا أجزاءها ليعاود تكوينها بأسلوبه الخاص من جديد. يشدّد كنعان على المحافظة على الخامة البنائية الأصلية للمادة وعلى لونها الطبيعي. جميع أعماله ضخمة نسبيا وثقيلة، ثابتة ومنتصبة ومرتفعة عن الأرض.
يرى أحمد كنعان في نفسه نحاتا في الدرجة الأولى، فهو يفضل التعامل مباشرة مع المادة، يلامسها ويداعبها بأصابعه خلال فترة تكوينها. إن هذه العلاقة المباشرة مع المادة الخام أبقت آثارها واضحة على أصابع أيدي الفنان. بالإضافة إلى أعماله النحتية، هناك مجموعة من الرسومات التجريدية بالألوان الزيتية التي تبرز من ضمنها لوحة معبد عنات. مرة أخرى يعود كنعان للبحث عن جذوره الكنعانية، وهذه المرة بواسطة الهة الخصوبة عنات. تقف عنات في معبدها، رأسها عبارة عن دائرة صفراء يحيطها مربع أخضر. رأسها منفصل عن جسدها، وعقلها منفصل عن قلبها. بينما في عمل آخر، هو عبارة عن مسطّح من الخشب يعلوه مجسم من النحاس بأسلوب مجرد تبرز فيه الخطوط الدائرية التي تبرز أنوثتها، نرى عنات واقفة بكامل هيبتها الإلهية حاملة عصا وكأنها ترسل بركاتها إلى الأرض والشعب.
تتميّز لوحات كنعان بألوانها القوية الزاهية. فبعكس تماثيله الجافة الخالية من الألوان المصنعة نرى ان لوحاته المجردة مليئة بالحيوية. يضع كنعان الألوان فوق بعضها البعض. ليس هناك موضوعا محددا لرسوماته. يعطي الفنان للمشاهد فرصةَ حرية التوغل واكتشاف ما يريد. يعتبر كنعان رسوماته محاولات للرسم إلا أنني أعتبرها تعبيرا عن مخزون هائل من الطاقة والمشاعر بواسطة اللون. أما لوحاته الزخرفية المستوحاة من زخارف الفسيفساء الإسلامية والشرقية، كتلك التي كانت تزين قصر هشام في أريحا، فاننا نلاحظ ان الفنان يكرر صور الغزلان والفراشات والجمال والإلهة عنات بألوان زاهية وقوية. أما استعمال هذا الأسلوب فقد نشأ مع حاجة الفنان الى تصميم جداريات في أماكن عامة في قريته، وهذا ما جعله يعود إلى استعمال الأشكال الزخرفية التراثية كوسيلة تواصل مع التاريخ والجذور القديمة للفن الإسلامي.
يتواصل كنعان مع كل ما يدور حوله من أحداث على الصعيد الشخصي و/أو العام. أحد هذه المواضيع هو مجموعة أعمال بتقنيات مختلفة تدعى أزواج. يذكرنا أحد هذه الأعمال، والذي يدعى تزاوج، بالأعمال الفنية الإفريقية نسبة لاستعمال مادة الخشب المحروق وإبراز العين الكبيرة الممتلئة في وجه الرجل. يعبر كنعان، بواسطة بعض الخطوط الملتوية، عن زوجين تربطهما معا قبلة أبدية. يحاول كنعان أن يجسد الواقع بلغته الفنية الخاصة مبتعدا عن أسلوب التعبير الطبيعي. ما يهتم به الفنان هو تجسيد جوهر الأمور بواسطة الأشكال البسيطة الدائرية منها والبيضوية. في عمل آخر لنفس الموضوع نلاحظ دمج الشخصيتين بنسيج من الخيوط يشبه النول الذي كان مستعملا لنسج الأقمشة في الماضي. فبالرغم من وقوف الرجل والمرأة أحدهما إلى جانب الآخر، مبرزا استقلاليتهما كأفراد، إلا أنه لا يتجاهل وجود نسيج بدأ يتكون بينهما ليدمجهما معا. يكرر كنعان نفس العمل بواسطة استعمال تقنيات مختلفة، وهو ما يدلنا على محاولة بحثه الموضوع بشكل عميق، ومحاورته من عدة جوانب، وعلى مر فترات متقطعة من الزمن.
في مجسم تركيبي من الخشب والحديد يدعى الصمدة، يعرض لنا الفنان مشهدا مألوفا في حفلات الزفاف القروية، حيث تجلس العروس في حفل زفافها على منصة وهي بكامل هيبتها، في حين يقوم الأهل والمحتفلون بالرقص والنظر إليها. إن جسم المرأة أشبه بمقعد له ساند طويل من الخشب تبرز فيه قضبان حديدية كأنها شعر طويل يلتف حول الرأس الفارغ. أما الرجل الذي يجلس على مقربة منها فهو عبارة عن فراغ أجوف خطوطه الخارجية تعطي هيئة إنسان. إن ترك مكان الرجل فارغا يثير عدة تساؤلات، منها الهزلية و\أو الساخرة ويعطي الإمكانية لمن يريد بالدخول للعبة الأدوار عريس وعروس .
ثمة عملان هما من أشد الأعمال تعبيرا لدى كنعان، وعنوانهما هو تناثرت. أحدهما عبارة عن رسم لمكعبات مفككة على خلفية زرقاء وبنفسجية. يستعمل كنعان الألوان الأساسية والمكمّلة وينجم عن ذلك توتر.تغطي سطح المكعبات أشكال زخرفية تذكرنا بنماذج البلاط المزخرف الذي كان يزيّن أرضية المنازل في فلسطين. لم يبق أي مكعب متكامل، وعلى الرغم من قرب المسافة بين الأجزاء، إلا أنها بعيدة عن أن تكون جسما ملتحما واحدا.
قد يطول الكلام عن هذين العملين اللذين يثيران عدة ارتباطات في نفس المشاهد تتعلق بحياة كل فرد على المستوى الخاص و العام.
تتميز أعمال كنعان الإبداعية بقوة التعبير. أحيانا، تكون حزينة، و غاضبة، و شاردة التفكير، و ساذجة ومرحة،
و تراقب بصمت من بعيد. وقد نرى جميع هذه الحالات مجتمعة معا في شخصية كنعان الإنسان والفنان.
من بين المسطحات البنائية مجموعة أعمال كثيرة تدعى المشاطيح، وهي أعمال بنائية على مسطحات من الخشب البسيط. نلاحظ مهارة الفنان في توظيف المادة الجافة الخام لإبراز أقواله. تبرز من بين هذه المجموعة ثلاثة أعمال، أحدها يدعى الحاجز. وهو تجسيد للإهانة والمعاناة الإنسانية التي تمر بها مجموعة مقهورة وقعت تحت ظلم الإحتلال. العمل الثاني هو صورة ذاتية، وهو يُبرز، من خلال فراغ الرأس، الحصيرة الملونة التي لم يكن يخلو منها اي بيت فلسطيني. يتواصل كنعان هما، مرة أخرى، مع تراثه وهويته. لاستعمال الخشب مدلول رمزي له علاقة بنشأة الفنان في احضان عائلة نجّارين. في عمل آخر عنوانه مشربية نرى إطارا مستطيلا تتخلله أغصان دالية العنب. إن أصالة كنعان تكمن في استخدامه مواد بسيطة ورخيصة ذات مدلولات رمزية عميقة مرتبطة بواقعنا وتاريخنا ومعاناتنا وصراعنا مع هويتنا، محاولا، في كل مرة، أن يقول لنا من هو ومن أي مكان أتى.
الإستسقاء عبارة عن تمثال من الحديد لشخصيتين نسائيتين، الاولى واقفة، والثانية جالسة وقد وُضع على رأسها حجر الرحى. يبني الفنان تمثاله من ألواح مسطحة من الحديد يربط بينها بمواسير حديدية. يدمج كنعان بين إيحاءات من حضارات قديمة ومن تاريخ شعبه وبين تقنيات عصرية كاللحام والتركيب، وهو الامر الذي يميز أعمال الفنانين في القرن العشرين.
من أبرز أعمال كنعان التي يضع من خلالها بصمته الفنية والقومية والهويتية أربعة تماثيل لموضوع التهجير.
بتجريد وباختصار يروي لنا كنعان تاريخ الشعب الفلسطيني ومعاناته. بدأ الفنان في صنع التمثال الأول من هذه المجموعة سنة 1992. التمثال المصنوع من مادة الالومينيوم هو عبارة عن سفينة تحمل مجموعة من البشر من رجال ونساء وأطفال وشيوخ. وبعد عدة سنوات يعود كنعان لتصميم الموضوع ذاته من مادة الحديد، مستبدلا الشخصيات الإنسانية بالمفاتيح، وهي تارة تكون واقفة ومنتصبة بارتفاعات مختلفة أشبه بمسيرة من البشر، وطورا تكون من الصخر والالومينيوم، كما عبر عنها في التمثال الذي صنعه عندما شارك في مهرجان النحت الذي أقيم في عمان عام 2002. وفي تمثال آخر مصنوع من الحديد موجود في حيفا في حي وادي النسناس تتحول المفاتيح المنتصبة إلى كومة من المفاتيح المتعبة.. هذه المفاتيح البشرية التي هي رمز للبيت وللأرض ولحلم العودة أصبحت أشبه بالمستحيل بعد سنين طويلة من الانتظار.
أما المجموعة الأخيرة من أعمال الفنان فهي في مجال النحت البيئي. تتنوع هذه الأعمال المنتشرة في أماكن عامة كثيرة، ان كان من ناحية المواد والتقنيات، أو في طريقة استغلالها لغرض عملي، أو كتمثال لُعبٍ. أوّل هذه التماثيل، والمنحوت من الحجر، هو عبارة عن شكل بصلة الأزهار. يكرر الفنان نفس الموضوع جاعلا البصلة مقعدا للجلوس. في هذا النوع من التماثيل يلائم كنعان تصاميمه للبيئة المحيطة، داعيا الجمهور الى الدخول إلى العمل الفني ليكونوا جزءا منه وليتفاعلوا معه..                              
2003-02-09
 شفاعمرو