كنعاني يغزل بيتاً من خيوط الشمس والفيروز والفخار!!

 ياسمين مخلوف-2009

عبق وتاريخ وآلهة ومعابد وقصور وحضارات ومعالم قابعة على مر العصور، تجسدت في أعمال فنان كنعاني والذي لخص شغفه في الفن التشكيلي في حديث خاص لموقع فرفش في هذه السطور. في زيارة الى منزله أجرينا معه هذا الحوار أثناء ارتشاف فنجان من القهوة العربية من يد زوجته ملكة والتي عشقها وجسّدها في عدة أعمال حملت اسم مليكتي:




يعنى الفنان الشاب ابن مدينة طمرة في الجليل احمد كنعان بأصول الحضارة الكنعانية منذ عشرين عامًا، رغم موهبته الفذة وشموليته
العبقرية القادرة على تنفيذ أروع اللوحات
التشكيلية وصولاً إلى المنحوتات الحجرية والخشبية والحديدية بأحجامها المختلفة، ومنها ما امتاز بضخامة أهّلتها كي تكون أنصابا توضع في الحدائق والأماكن العامة في البلاد وخارجها.
يدل اسم الفنان على أصوله الكنعانية، الأمر الذي اجتذبه وأغراه ليسبر غمار الكتب التي شملت بحوثاُ لمفكرين عباقرة ، تمكنوا من نقل صور رائعة مبهرة حول الحضارة والثقافة الكنعانية وأبعادها وتأثيرها على فلسطين الذي يبدو جليا إلى يومنا هذا من خلال الآثار والمنحوتات والمطرزات والمفردات المتداولة إلى يومنا هذا .
من الإيحاءات والرموز المتداولة إلى يومنا هذا. فكلمة بعل على سبيل المثال قال كنعان، والتي تعني الزوج هي كلمة كنعانية الأصل، ورمزت إلى آلهة الخصوبة بعل، وكلمة عشيرة (أي قبيلة ) ومعشرة ( والتي تعني الدابة الحامل)، عشرة (بكسر العين) ،أي حسن الصحبة ، كلمات تعود في أصولها إلى اسم آلهة الخصوبة عشتار.
أجل قال كنعان مبديا إعجابه بكل النصوص التي قرأها فأوقعته اسيراً في حب الكنعانيين. كانت اللغة الكنعانية لغة رسمية متداولة في البلاد، وكانت الحضارة عريقة أثرت على الفن الفلسطيني المعاصر، ناهيك عن التجارة التي ازدهرت في تلك الحقبة الزمنية وراجت في حوض البحر الأبيض المتوسط، فدلت على حسن التدبير.
طاولت الحضارة الكنعانية شمال فلسطين ولبنان وسوريا، حيث أقيمت ممالك دلت أسماء ملوكها على وجودها وقد شكل اليهود في البلاد في الأربعينات حركة كنعانية شملت كتّابا وشعراء وفنانين.
عمل الكنعانيون على تعزيز الاكتفاء الذاتي، من خلال ادوار عدة لعبوها فأتقنوا اللعبة ،منها تطوير الزراعة بأساليبها وأدواتها المختلفة، وقد جسد الفنان كنعان بالمناسبة الكثير من تلك الأدوات كي يعبر عن صلة الإنسان بأرضه

كما أبرز في لوحاته المطرزات الفلسطينية التي تحمل كما أبرز في لوحاته المطرزات الفلسطينية التي تحمل في طياتها رموزاً كنعانية كالشمس التي ترمز إلى آلهة الشمس والنجمة الثمانية المكونة من سعف النخيل وترمز إلى آلهة الخصوبة بعل ، وهي ختم كنعاني في الأصل .
جسد الرسومات الفرعونية الكنعانيين بملابسهم الجميلة التي لا تخلو من تطريز ما زال بعضه متداولاً إلى يومنا هذا دون إدراك لأصوله كما ذكر فيما سلف من سطور.
أشكال عريقة توارثها الأجيال ورموزاً يتجسد بعضها في كهوف تم اكتشافها في مدينة أريحا يعود إلى ما ينيف عن أربعة ألاف وخمسمائة عام، وكهوف أخرى في مدينة بئر السبع الواقعة في جنوبي البلاد، وفي جبل القفزة في مدينة الناصرة . ليس أنا وحدي من عني بالحضارة الكنعانية، قال كنعان، بل هنالك باحثون مخضرمون من خلال أعمال عريقة.
وكذلك الفنان الفلسطيني مصطفى الحلاج وهو من قرية سلمة المهجرة الواقعة قرب مدينة يافا الفلسطينية والذي عاش في مصر وسوريا. والفنان عبد الحي مسلم المقيم في عمان من مواليد الدوايمة والتي كانت تقع غربي العاصمة، والذي عني من خلال أعماله بإظهار بحثه النهم عن الهوية.
بالطبع كان فنجان القهوة والحوار مسبوقين بزيارة لإرجاء بين الفنان الرائع، الذي لمست يداه الفنان كل جزء منه وتدخلت في تصميمه من البابوج إلى الطربوش، كما يقال باللغة العامية. تلاقيك قبل دخولك البيت حديقة اعتلتها عريشة مدلاة من الدوالي الخضراء، وافترشت أرضيتها أشجار مثمرة متنوعة منها الليمون والرمان، يتفاءل بها كنعان كثيراً ، ويعني بريها بنفسه.
بدخولك الطابق الأرضي، تكون قد وصلت إلى مراسم الفنان، المليء باللوحات والألوان، تتوسطه منضدة ضخمة تعينه على تشكيل مجسماته الضخمة ، التي تحتاج إلى النجارة والبناء وإدخال عناصر ومعادن مختلفة ، ولو أردت التمعن بتفاصيل المرسم الزخم بثوراته الفنية، فلن تخرج قبل مرور شهر بدون مبالغة
تلائم من هناك خطواتك هيكل الدرج الملتوي صعوداً إلى الطابق الثاني فترى جمالية الفيتراج المندمج بالحديد من خلال باب ضخم صممه الفنان بشكل رائع، يفتحه لك مرحباً لتدخل غرفة الجلوس المستديرة ذات القبة الزجاجية، والتي تستعمل في الوقت ذاته كمنضدة تخدم الجالسين في السطح.

طليت جدارن الديوان العربي المستدير القرمزي المائل إلى لون الفخار وهو لون كنعاني، ويرى الديوان العربي المستدير بلون الفيروز التراكواز الذي يعني الكثير للفنان وكذلك الوسائد الحمراء ذات التطريز الفلسطيني، تتوسط الغرفة منضدة فسيفسائية كبيرة من صنع الفنان، تتيح ازالة بعض أجزائها وإرجاعها، كي تسهل عملية تقديم الواجبات للضيوف. وتطل من هناك على منظر رائع من خلال الشرفة الزجاجية التي اتخذت شكل نصف الدائرة.
ويقابل تلك الزاوية الشرقية والتي يصفها الزوار بالمغربية أحيانا، مطبخاً اتخذت أخشابه لون الخشب المائل إلى الخضرة والذي يشتم من خلاله عبق أثاث الريف والأجداد ، عني الفنان بلائه بشكل يمكن الرائي من مشاهدة الخشب الطبيعي من خلف الطلاء.
الجدران فيروزية ايضا، فعلق مبتسماً بالإيجاب، وأضاف أنا اعشق هذا اللون، فهل تذكرين البيوت العربية القديمة التي كانت تطلى بتلك الألوان وكم كانت تزداد جماليتها عندما تتقشر لتكشف الطبقات اللوئية التي تحتها، انا تعمدت ابراز هذا بطريقة مستحدثة.
ولفتت أنظاري طاقات ضوئية جميلة سميت فيما سلب (بالروزنا) مستوحاة من التراث الشرقي الجميل.
وهنا استذكر الفنان تأثيره بالمهندس المعماري المصري (حسن فتحي)، والذي لقب بمهندس الفقراء، فقد نجح ببناء بيوتاً بدت كالقصور، الا انه استعمل خامات بسيطة كالطين وتعمد ان يتركز العمل على الأيدي أكثر من الآلة. وعلى هذا النهج سار كنعان في بيته، حيث ترى زوايا طينية عشوائية جميلة لا تخلو من بعض الخشونة المتعمدة والنقوش الحرة والعفوية المدروسة.
سقف غرفة نوم كنعان عبارة عن قبة انبوبية استوحاه من حمام الباشا في عكا، وزرع في قبتها الأنبوبية قطع الزجاج الملون الذي يضفي تأثيراً رائعاً واسترخاء للذي يستعمله، عندما يغزل ضوء الشمس قطع الزجاج تلك. زرع في الجدران بعض الفتحات الخشبية المرتفعة المغطاء بالزجاج تسمى قمرية وتتيح مشاهدة الضوء القمري الرومانسي.
وبنى فها سرير خشبي شارك في تنفيذه الفنان محمد كلش الذي أضفى عليه قطعة خشبية من الأرابسيل الزخرف الاسلامي.. لم ينس الفنان بناء عليه خشبية في غرفة الأولاد حفرت في جدرانها ستة عشر طاقة سميت فيما سلف بالثريا، تدخل الضوء الجميل وتذكره بالبيوت القروية القديمة التي عايشها في طفولته.
بإختصار ان دل البيت على شيء فإنه يدل على سعة اطلاع وعلى ثقافة عريقة اكتسبها كنعان من خلال علمه وثقافته وجولاته، فعبق بيته بنكهات وحضارات فلسطينية، شمال افريقية ، اسبانية، زخارف إسلامية، سمر قندية، ايرانية عراقية، طشقندية... بخارية. بما يؤكد ان الفنان احمد كنعان ابن للشرق وابن للشمس وابن لكنعان.