لقاء مع الفنان التشكيلي أحمد كنعان: عشيّة افتتاحه معرضه الجديد فارس الأحلام والذي افتُتح مؤخرًا في ملاهي التوت في طمره
فارسُ الأحلام- يمتطي فَرَسَ العروبة بهامتهُ مرفوعة
تحتَ هذا الاسمِ فارسُ الأحلام أقامَ الفنان أحمد كنعان معرضه الجديد، والمتجدّد .
غادة أسعد – جريدة صوت البلد 2007- |
تحتَ هذا الاسمِ فارسُ الأحلام أقامَ الفنان أحمد كنعان معرضه الجديد، والمتجدّد .
ولا يُمكن للناظر الى أعمالِ كنعان ألا يهُزَ رأسهُ إعجابًا بما تراهُ عيناهُ... وتلقائيًا تراهُ ينتقلُ من لوحةٍ الى لوحة ومن مجسمٍ الى آخر، مأخوذًا بالشحنةِ الفنية الكبيرة التي يقدّمُها هذا الفنان عبرَ أعماله، وعكس ما قيل الاذن تعشق قبل العين أحيانًا، ففي هذا المعرض كثيرًا ما تعشقُ العينُ قبل الأذن... فما بالُك والعينُ تتابِعُ أعمالَ فنانٍ يُجسّدُ بلوحاته وتصميماته التراث العربي الأصيل الذي يعيشُ في أعماقِنا عَبْرَ الافِ السنين.
ولا يفوتُهْ حينَ يستخدم أدواتُهْ أن ينقُل لنا واقِعًا، مفرحًا، او مؤلمًا، او لا مباليًا لفارسٍ عربيٍ يظلُ يُصارِعُ الألوانَ والأشكال والمعاني مرفوعَ الرأسِ أصيلاً... كما أرادَهُ كنعان.
وعَبْرَ هذا الحوارِ معَ الفنان، كان لـصحيفة صوت البلد هذهِ الانطباعات التي سُجِلت خلالَ المعرِض؟
* حدّثني عن المعرض، فكرته، وما المُتوخى مِن نقل المعرِض من صالة جاليري في طمره، الى متنزهملاهي التوت، المتنزَه المعروف؟
- المعرض يحمل اسم فارس الأحلام، وهو الفارس التاريخي ويرمز الى صلاح الدين الأيوبي الفارس العربي الأسطوري... وأنا قررتُ افتتاحَ معرضي هُنا في ملاهي التوت، أولاً لأنه مُلكٌ لعائلتي، فلا تكلفة مادية، من طرفي أو من طرف أصحاب المكان، وهدفي الرئيسي جاءَ فنيًا مَحض، إذْ عَبْرَ هذا المكان، استطيعُ نقلَ فني الى عموم الجمهور، وليس لمتذوقي الفَن تحديدًا، انني بشكلٍ غيرِ مباشر انقُلُ ثقافة لجمهورٍ، يأتي لكي يُمضي وقته في التنزُه، وقضاءِ وقتٍ ممتع، يتخللُه الأكلُ واللعبُ والاستمتاع، وأنا أنقُلُ لَهُ ما في جُعبتي من فنٍ راقٍ، ومِنْ خلال المردودْ المعنوي (والمادي)، عندما تُشترى بعضُ أعمالي، أرى مدى سعادة الجمهور بهذا الفن.
* هل هُنالِكَ خَطٌ أو لونٌ أو أدواتُ معيّنة تعتمد عليها في عالمك الفني؟
- استعمِلُ الألوان على طبيعتِها عادةً، فاللوحاتُ بألوانها تَحكي واقعًا عاشهُ ابائُنا واجدادُنا فترة طويلة من الزمن، ولوحاتي تنقلُ واقعًا متناسق الألوان والحَكايا عَبْرَ تُراثٍ عريق. ومن بين الالوان التي استعملتها اللونين الازرق والاخضر، وهما لونان يحملان ابعاداً نفسية ومدلولات حسية خاصة، باعتبارهما لونين حاضرين بكثرة في الفن الاسلامي والتراث العربي عامة. وأما في النحت فاستخدمتُ الكثير من الحديد بقديمِه وقبلَ تآكُلْه وهُوَ يضيفُ كما ترينَ قوةً الى اللوحات، ناهيك عن الكلفة المادية الباهظة، حينَ نجسّم الحديد بأشكالٍ صغيرة وازرعُها انا في عُمْقِ لوحاتي... أو عَبْرَ مجسماتٍ منها تماثيلُ حرة ومنها تمثيل بيئية منتشرة في أماكن عامة مختلفة. وأنا اوظِفُ المادة الملموسة في عملٍ فنيٍ محسوس ومعبِّر... يكفي ان ننظرُ الى الجواد البارز في معظم اللوحاتْ لنكتشفْ كَمْ هِيَ المادة قادرة الى ايصال فكرة وبقوة. كما أنني اوظِفُ المواد البسيطة في أعمالي، لكنها تحوي رموز عميقة من حياتنا اليومية والتي تتواصل مع تراثنا وهويتنا وواقعنا.
* متى بدأ مشوارك في عالم الفن الاسلامي والزخرفة؟
- بدأت رحلتي في الفن الاسلامي والزخرفة أثناء زياراتي للمتاحف على اختلافها، لكن ما لفتَ نظري متحف روكفلر في القدس الذي حوا الكثير من الاثار من الفن الاسلامي في فلسطين، بعدها بدأت باستيعاب عمق هذا الفن – الزخرفة وما فيه من ابداع. من هنا بدأت بإنتاج لوحات وجداريات بأسلوب الزخرفة ولكن بدمج أسلوبي الخاص بي، في احدى الجداريات وفيه ترين العمق في التوزيع والميزة في الالوان والاشكال.
* هل استطعتَ خلال مسيرتك الفنية، أن تصنَعَ مِنَ الفَنِ مهنة، ذاتَ مردودٍ ماديٍ مُثْمِر؟
- أن يعتاشَ الفنانُ من فنِهِ مسألةٌ ليست سهلة بتاتًا، كونَ مجتمعنا العربي، مجتمع غير مستهلِكٍ للفن، قَلَما تَرى مَنْ يندفِعِ وراءَ الفن، ويقتني كُلُ إبداعٍ في الفن، اللهُمَ الا شخصٌ عربيٌ واحِد، اعرفُه شخصيًا، وأعرف كَم دَفَعَ من جيبِهِ في سبيلِ حُبِهِ للفن...
أما أنا فأخيرًا وبعدَ مجهودٍ مُضنٍ في عالمِ الفن، وبعد مسيرة طويلة من الأعمال المنحوتة أو المرسومة استطعتُ أن أُضيفَ الى إمكانياتي المادية بعض الشيء، وأقصِد تحديدًا الأعمال التي عرضتُها في الأماكِن العامة.
وأنوهْ أنه في الفترة الأخيرة، اخرُ سنة ازدادت حركة البيع، الأمر الذي يُشجِعْ الفنان على الاستمرار واعطاءِ المزيد من الابداعات.
لكنْ ما استطعتُ أنا بعد عناءٍ تجاوزُه وتوفيرِ ظروفٍ أفضلْ، هُناكَ الكثيرُ من الفنانين، الذين ليس باستطاعتهم الاعتماد على الفن، فمعظم الفنانين هو معلمو مدارس، أو يعملون في مهنةٍ أخرى يعتاشون من خلالها، ويبقى الفَنْ هو الهواية، والحلم الذي يُراودُهْم، خلال مسيرةِ حياةٍ مُضنية...
وأنا لا افتخرُ بنفسي، لكنني فعلاً من القلائل الذين استطاعوا بناء انفسهم من خلال الفن، وهذا الأمر لا يأتي من فراغِ، بل هو نتاجُ وقتٍ وجُهدٍ مُضنيين، تنقلتُ فيهِ بين الاستوديو الى المعارض الى العلاقات العامة... وخلال مسيرتي لم يشغلني فني فقط، بل عملتُ مَعَ زُملائي الفنانين، على اقامة معارض، تجاوز عددها ال18 معرضًا معظمُ اصحابها عرب.
* هل الفنان العربي صَنَع بصمةً وَكَسِبَ شُهرة مِنَ الفن في المجتمع العربي تحديدًا؟
- المشوار كان ولا زالَ طويلاً لأيِ فنانٍ عربي، وما شهدتُهُ الساحة الفنية في طمره، من وجود صالتي عرض، هو أكبرُ دليلٍ على انّ الفن بخيرْ، وأهلُهُ بخير، وأنّ للتثقيف الفني جمهوره الواسع الذي باتَ يزورُ المعارِض، فالصغيرُ والكبير كلاهما يعي دور الفن في بناءِ المجتمع، وأولُ محطةٍ في الوعي هي المدارس والمؤسسات ومِنْ ثُمَ الأهل..
نحنُ الفنانين نعمل مع الجيل الصغير، وهو جمهور المستقبل، وبالتأكيد المجتمع في تطورٍ دائم، وهذا الجيل قدْ يُفكر مستقبلاً في اقتناء الأعمال الفنية... وما يُدريكِ ما قيمةُ اللوحاتِ بعدْ سنوات، وكما هو معروف تاريخيًا لوحات فان جوخ لم تكن تباع، أما اليوم فهي تُقدّر بالملايينْ.
* هل وجود مُرشد الى جانِب طالِب فن يُمكن أن يُسّرِع ويُقَدّم الفنان بشكلٍ أسرع؟
- بالتأكيد، عندما يقفُ مرشد الى جانب طالب فنون، وانسان موهوب حتمًا سيدعمه ويرعاهُ ويفتح امامه افاق التطور والتقدم بشكلٍ أسرع، لكنْ على زماننا، عندما كنتُ في المرحلة الثانوية، كُنتُ أسمع عن فلان فنان أقامَ معرض من خلال الصحف، أو صدفة، وفي طمره تحديدًا هُناك فنانون كبارْ صنعوا اسمًا وتميّزوا وكُنتُ مِنَ الطامحينَ للقائهم والاستفادةِ منهم، لكنّ الظروف لم تكن متيسّرة لنا، كما هو الحال بالنسبةِ لجيل اليوم... وأنا في مسيرتي الفنية تلقيْتُ دعمًا من الفنان الطمراوي المعروف خليل ريّان الذي دفعني خطواتٍ الى الأمام... مِن هُنا أقولْ أنّ وجود فنان مبدع في بلدٍ حتمًا يؤثر على جمهورٍ كبيرْ.
* في كُلِ مسيرةِ من حياتنا ثمّةَ سلبيات وايجابيات خلال السير، فهَلَ لَك أن تذكر سلبياتِ هذا الفن؟
- الفن ابداع لا احلى ولا اجمل منه، الا لقاءُ الفنانين معًا في دعمِ هذا الابداع...
وفي الفن كغيرهِ من المجالات كالمسرح او الادب، هنالك الغيرة، وهي موجودة وطبيعية، لكن المفروض في الفن ان نتعالى عن صغائر الامور لنحقق الهدف الأسمى، وان تفتتح صالة عرض في بلدٍ عربي، مُهِمة ليست سهلة أبدًا، وحبذا لو استُبدلت الغيرة بالتشجيع والدعم للآخرين، لتغيرت مفاهيمُ كثيرة في عالمنا العربي.
* هل انتَ راضٍ عن نفسك؟
- في الفن صعب أن يكون الانسان راضٍ عن نفسه مئة بالمئة، والا لتوقفَ نبعُ العطاءِ الذي يتلقاهُ الجمهور، والشيء نسبي بالنسبة لي، فهناك لوحات كنتُ راضٍ عنها بالأمس، اليوم لم تَعُدْ تُرضيني، ولكنني أضيف باستمرار الى لوحاتي لكي لا أصابَ بالروتينِ والممل...
وُهنا في هذا المعرض هنالك لوحات عمرها عشرون سنة، لكنها تتغير طوال الوقت، وطالما تقفُ اللوحةُ قُبالتي وأقابلها أنا- طالما يتواصلُ الحوار بيني وبينها، وأظلُ أجدّدُ وأطوَّر، وهكذا هي حياةُ الفنان، يبقى تلميذًا طوال حياته، يتطور باستمرار، يتغير نفسيًا وثقافيًا وفنيًا، ويصقل ذاته بتجاربهُ الحياتية المُعاشة او المحسوسة، وهذا سِرُ تقدّم أي فنان.
|