بانو راما الفن التشكيلي الفلسطيني (8) الفنان أحمد كنعان

 خاص بمؤسسة فلسطين للثقافة

تاريخ النشر: 28/01/2007 - 11:39 ص خاص بمؤسسة فلسطين للثقافة الفنان أحمد كنعان الفنان التشكيلي الفلسطيني (أحمد كنعان)، مفتون بعوالم البحث والتجريب والتنقل المُريح ما بين مقامات الواقع والأسطورة، من خلال تجليات العزف التقني والفكري على خامات تقنية متنوعة الخصائص. ابتكاراته ليست محصورة في ميدان تقني واحد، بل تشمل فنون الرسم والتصوير الزيتي الملون، وتتسع لمواضيع الزخرفة والتصميم وأعمال الفسيفساء والنحت الجداري والنصبي ثلاثي الأبعاد، وجد في متن نصوصه فسحة لمُخيلة واستعارة وتورية وتجريد لواقع.

حاجز تقنيات متعدد للفنان أحد كنعان

هو من مواليد بلدة طمره في جليل فلسطين عام 1965، صقل موهبته على يد الفنان التشكيلي الفلسطيني خليل ريان، متابعاً دراسته الأكاديمية للفنون والتصميم بمدينة القدس ما بين أعوام 1985- 1989، ليعمل بعد تخرجه في مصنع للتماثيل البرونزية مدة خمس سنوات، مما أكسبه خبرة مُكتسبة ومُضافة لتنوع مهاراته وميادين اشتغاله على خامات متعددة. مكّنه ذلك من مزاولة مهنة تعليم الفنون الجميلة عموماً والنحت خصوصاً في مدينة سخنين، ويُدير صالة العرض البلدية في بلدة طمره منذ 2005. له مجموعة كبيرة من المعارض الفردية والمشاركات الجماعية داخل فلسطين المحتلة وفي الوطن العربي والعالم.

 
جنين للفنان أحد كنعان

لوحاته تستعير ذاكرة ومُخيلة مشغوفة بتجليات وطن فلسطيني، عبر تطويعه لمقاماته البصرية المتناسلة من حيز الواقع والطبيعة الفلسطينية في جمالياتها الحاشدة، المتفاعلة وهج طقوس وعادات مواقف حُلم منشودة، فيها شيء من الأماني والذكريات ونسج علاقات متميزة مع مساحة النكبة، ودروب الألم الفلسطيني متعدد الأمكنة والأزمنة.فيها إشارة رمزية واضحة لمسارات الرحيل عبر بوابة الزمن المحاطة ببرواز مزخرف بصفوف الفرسان وبكافة الاتجاهات.

 
لوحة لاجئ للفنان أحد كنعان

تدور لوحاته في معابر الواقع وصفاً لحالات يومية معايشة، نجد في طياتها فتيات فلسطينيات يحلمن بفارسهم المُنتظر والقادم على صهوة حصانه، يأخذ وجوهاً متنوعة لهيئات الفارس، تارة مجرد فارس مغوار فيه سمات مُستعارة من أبي زيد الهلالي، وفي كثير من الأحوال تمد جسور الوصل المُرتجى مع مُحيا الفارس القائد الناصر صلاح الدين، كنوع من المجاز والتورية الشكلية في مداراتها اللونية والتعبيرية الجامعة لكافة ملونات الدائرة الأساسية، الموزعة ما بين الفتيات في أثوابهن التراثية، وأيديهن الحافلة بألذ ما طاب من خيرات فلسطين، والخلفية المُشرعة على متواليات الهندسة التربيعية، وخطوط الطيف المشيرة لملامح فارس قادم من حقبة زمنية باهرة في حياة الأمة العربية والإسلامية عموماً وفلسطين على وجه التخصيص.

 
لوحة فارس الأحلام للفنان أحد كنعان

وتحفل لوحاته برموز ودلالات مُستعارة من واقع فلسطيني مُقاوم، متواصل الجذور مع تاريخ وطن ومدن فلسطينية مقاتلة، يأخذ من مدينتي (جنين ورفح) حلة تعبيرية مناسبة لنقل تجليات الواقع وربطه شكلياً بذاكرة الفارس المُعتلي صهوة حصانه في معركة حطين، فارس متكرر الرسم والتعبيرات اللونية، يُجلل الواقعة ورموزها الإنسانية داخل كوادر النص البصري بتعبيرات الأمل بالنصر المرتجى.

 
لوحة رفح للفنان أحد كنعان

وأُخرى تستعير رموزها ومفرداتها الشكلية من رحم الأسطورة الفلسطينية المُغرقة في القدم، تلبس في بيانها البصري شكل السفينة المُبحرة عِبر توليفات الزمن، في سياقاتها الفينيقية الكنعانية وهي تمخر عباب البحر والأمواج المتلاطمة، والمسبوكة في صياغات تعبيرية تجريدية الملامح والقسمات، تجعل من الألوان الباردة والحارة ميدانها البصري، لتوصيل فكرة ومشهد مُعبر عن مرحلة تاريخية متسقة وروحية النصوص المقدسة.

 
لوحة سفينة للفنان أحد كنعان
التجريد في إيقاعاته الزخرفية يشغل حيزاً فسيحاً لقصة شكلية هنا، ومداعبة تقنية لدائرة الملونات في أكثر من موضع. مرصوفات هندسية لمساحات مريعة أو متطاولة، تبني عالماً من المساحة اللونية المتجانسة والمتعارضة والتي تطوي في إزارها البصري معالم شخوص ومدن وأمكنة وأفكار.
 
امرأتان تجريد للفنان أحد كنعان

بينما أعماله النحتية أكثر مرونة وانسجاماً مع طبيعة الخامات المستعملة، والموزعة ما بين خامات الخشب، البرونز، الحديد، الفخار، الحجر الكلسي والرخامي، وما بينها من تآلف الصنعة والصياغة التقنية. وتعبر مكشوف لمساحة الأسطورة والواقع ومُدركات الحلم  وتجلياته البصرية. جميعها تنهل من معين فكرة تعبيرية واحدة، قوامها التجريد، واللعب التقني على قدرات الخامة  وجودته على التطويع والابتكار والتشكيل.

 
ثلاثة جمال ومهباج نحت نصبي للفنان أحد كنعان

محمولة بوظيفية الفنون الجميلة التشكيلية في إيقاعاتها المهنية العملية واللمسة الجمالية، المتصلة في حياة الناس اليومية من حدائق وبيوت وساحات وعمائر، لاسيما تلك المرتبطة بعالم الطفولة. والتي تجد له فيها حصة كبيرة من الأعمال النحتية الجدارية، المشغولة وفق تقنيات الفسيفساء المرصع بأشكال هندسية متعددة، وتحوي مشاهد بصرية ذات مضمون جمالي أو اجتماعي.

 
خيال مجنح البراق للفنان أحد كنعان

أو أعمال نحتية كاملة المواصفات التقنية المُتبعة في فنون النحت ثلاثي الأبعاد، من نصب تذكارية كبيرة الحجم تصلح للحدائق والساحات العامة. منها ما هو مرتبط في مضمونه الشكلي ودلالته الرمزية بأوراق التاريخ العربي والإسلامي، مثل نصبه الذي يحمل عنوان ( ثلاثة جمال ومهباج) في اختياره لتوزيعات الكتلة وعناق الفراغ المعبرة عن الجمال العربية الأصيلة وما يلتصق بها من عادات وشمائل، متجلية بالمهباج والقهوة العربية والدلالة على حالة الكرم.

 
منحوتة صلاة الاستسقاء للفنان أحد كنعان
أو تلك المتصلة بقدرة الفنان على التخيل في مدارات الذاكرة الإنسانية القارئة والحافظة، والتي تجوب عوالم متداخلة لهيئة براق مجنح، جامع لصور مُستحضرة من حضارة بلاد ما بين النهرين والشام والجزيرة العربية. خلطة تعبيرية مجازية في الوصف والتقاط الفكرة، صاغها بطريقته الخاصة تقنية مفتوحة على التأمل والتفسير.
وكذلك الأمر بالنسبة لعمله النحتي صلاة الاستسقاء الذي يستحضر فيه طقوساً مُتبعة في الحضارة العربية والإسلامية، لاسيما عند حالات  احتباس المطر. وضرورة الصلاة والاستسقاء من البشر والكائنات الحية في صلاة جامعة للشعوب والآمة، في بوتقة عبادة واستجداء من الله جلّ وتعالى لنزول رحمته في نزول بركة المطر بعد طول انقطاع. حيث جسد رمزيته المتكئة على هيئة الأنثى، باعتبارها أم وابنة ومعقد العطاء والرجاء، وأن دعوتها مُستجابة. فيها جموحاً ملحوظاً لمخيلة فنان ودلالة فكرية عن أولياته ومدارات اهتمامه.
بينما تُكرس أعماله النحتية المتعددة حول جدار الفصل العنصري الصهيوني، رفضه المُطلق كإنسان وفنان ذلك السياج القهري، بما يُمثله من سجن كبير وحاجز صناعي مانع للتواصل ما بين أبناء الشعب والأرض الفلسطينية الطيبة، والمُنفذة بالنحت المباشر على خامة الحجر الرخامي وتحمل عنوان واحد جدار في راسك لمجموعة متنوعة المواضيع والهيئات والتقنيات، لاسيما تلك المشغولة على الحجر الرخامي الأبيض، مُتخذاً من راس مواطنة فلسطينية في هيئته الواقعية كرمز للأرض الفلسطينية الطاهرة، باعتباره قاعدة ارتكاز والتي يبغي العدو الصهيوني تقطيعه إلى أوصال متباعدة من خلال رمزية الجدار المنصوب فوق قمة الرأس.
 
منحوتة جدار في رأسك للفنان أحد كنعان
* فنان وناقد تشكيلي فلسطيني
arts1a@yahoo.com