جدل الذات والآخر في تجربة أحمد كنعان

 محمد أبو زريق

تتنوع الأعمال الفنية من رسم وتصوير ونحت لدى الفنان الفلسطيني أحمد كنعان فيأتي أسلوبه في الرسم زخرفيا أو مجردا كما تتنوع أعماله النحتية في الأسلوب بين أعمال

تتنوع الأعمال الفنية من رسم وتصوير ونحت لدى الفنان الفلسطيني أحمد كنعان  فيأتي أسلوبه في الرسم زخرفيا أو مجردا كما تتنوع أعماله النحتية في الأسلوب بين أعمال ثلاثية الأبعاد وأخرى ريليف غائر وبارز وكذلك هناك تنوع في الخامات النحتية كالحديد والنحاس والخشب والحجر والألمنيوم ويوظف كنعان كل هذه الخامات بشكل رمزي ليعبر عن الهوية الوطنية الفلسطينية في مواجهة الاحتلال.
بدأ بمنحوتات المحراث البدائي المستوحى من المحراث الكنعاني القديم ولعل هذا يعيدنا لاسم الفنان وتماهيه مع اسم الكنعانيين  وهو  الشعب الأقدم الذي استوطن فلسطين وربط  المحراث بالتقنية المتطورة في ذلك العصر في إشارة إلى التطور الزراعي في فلسطين  منذ أقدم العصور والذي يعتبر الخطوة الأهم في التطور الإنساني  والاجتماعي القديم.
ولأن أحمد كنعان يدرك الفرق بين اللوحة والتمثال فإنه سيعالج تماثيله بشكل رمزي بعكس اللوحات التي سيعالجها بشكل زخرفي أو مجرد  ذلك أنها تبتعد عن التصريح المباشر للمعنى فالزخرفة لديه ماهي إلا تأشير على الهوية الثقافية العربية والإسلامية لدى عرب فلسطين وتعبير عن انتمائهم الموغل في القدم.
فمنذ بدايات نحته للمحاريث فإن كنعان يزاوج في مدلولاتها الرمزية والفكرية سواء كان ذلك في المحراث المؤنسن أو  محراث الطائر المجنح أو  محراث المدحلة وهو في كل هذه المحاولات يقوم  ببحث دؤوب في الهوية من جهة ويعززها بالمعاني والمدلولات المضافة من جهة أخرى والتي تتشكل من هذا التزاوج بين المحراث الآلة وبين الحيوات الأخرى سواء كانت في حالة طيران كما في المحراث المجنح أو في حالة استقرار وثبات كما في المحراث الإنسان  ولعل تمثال المحراث والمدحلة هو إيغال أكثر في التعبير عن صراع القوى الإيجابية التي يمثلها المحراث الفلسطيني البسيط  والقوى السلبية التي تمثلها المدحلة التدميرية التي تعكس فعل الحراثة كتأشير على الصراع الفلسطيني الإسرائيلي .
وإمعانا في بحث الهوية فإننا نجده يقوم بتجسيد شخصية موسيقية شعبية فلسطينية بتمثال خشبي لكنه مفكك الأعضاء ومركب بمفاصل ومسامير ومرابط كأنه آلة قديمة حاملة تناقضها الوجودي مع الواقع الفلسطيني تحت الاحتلال من حيث أصالتها ومن حيث عدم كفاءتها مع  الواقع الجديد ولعل المحافظة على خصائص المواد والخامات التي يصنع منها تماثيله لدليل آخر على تمسكه بهوية الأشياء وأصالتها معملا قيم الحداثة في طريقة الإنشاء الفني وبنائية العمل وذلك من خلال الاختزال والتلخيص والتفكيك والتركيب وطريقة بناء وموائمة الكتلة بالفراغ والمحيط.
إن هذه الموائمة في التفكيك والتركيب تبدو واضحة في مجموعته المسماة أزواج سواء كان ذلك في الرسم أو النحت حيث يتم دراسة التداخل والانفصال بين كتلتين تمثلان الجنسين في لحظة لقاء وافتراق وكأنما هي وحدة تلقائية وعشقيه أحيانا ووحدة قصريه أحيانا أخرى ويأتي الأول في سياق تجربة عشق ذاتية أما الثاني فيأتي ضمن  ظرف مفصلي يملي اتحادا مصنوعا ويتوق لحرية مفقودة وحدة مهندسة حينا متصلة حينا آخر بخيوط واهنة من نسيج ضعيف وفي كل ذلك تأشير لعلاقة فلسطينيي الداخل بالمجتمع الإسرائيلي أنه فنان التفكيك والتركيب بامتياز، وتلك المحاولات الدائمة في عمليات تحليل الدال الرمزي للهوية وإعادة بناء هذه الدوال في نسق تثبيت الهويّةٌ ذاتها.هي ديدنه المستمر منذ ما يزيد على عشرين عاماً في مسيرته الفنية مستفيدا من التاريخ والأيدلوجيا والحلم .
ولعل هذا يقودنا إلى البحث في جدل الهوية بين الذات والآخر سواء في تمثاله المعنون ب(صورة ذاتية) والذي احتلت فيه الحصيرة خلفية الصورة وشكلت ملامح الوجه لتدل على هوية تخص كل بيت شعبي فلسطيني أو في تمثال الحاجز الذي يمثل معاناة الفلسطينيين على الحواجز الإسرائيلية أو في تماثيل الجمال التي تتحرك في تعبيرات ثائرة أو متضافرة لإنجاز عمل معين أو حتى في تشكيلاتها الزخرفية حيث تشكل مجموعة الجمال بحثا عميقا في مسألة الهوية سواء في تعبيريتها الصارخة نحتا أو في زخارفه الهادئة رسما، فإذا ما تابعنا البحث والاستقصاء في أعماله الزخرفية الأخرى كوحدات الغزلان والفراش والتوريقات الهندسية الأخرى، فسنجد هذا البحث الدءوب عن هوية تقاوم كل صنوف التغييب والتهميش والإحباط الذي تفرضه سلطات الاحتلال .
إن كنعان فنان مأزوم لكن أزمته ليست تقنية الطابع، فمن الواضح أن خياراته التقنية متعددة وغنية ، وإنما هي أزمة تتعلق بالهوية، التي تقف بثبات أمام محاولات الإقصاء والمحو والتزييف، وهو بهذا سيلجأ إلى كل الوسائل التي تكفل له تحقيق الحفاظ على الهوية، سواء في مواضيعه أو في أسلوب عمله الفني أو في اختيار خاماته، وليس غريبا أن نجده أخيرا يعالج موضوع التهجير ألقصري الذي تعرض له الفلسطينيين، وهذا واضح في أعماله النحتية التي تمثل السفن المحملة باللاجئين، أو  بمفاتيح البيوت التي تركها أصحابها، أو حتى في تعبيرات الجمال التي تتشكل على هيئة قوافل، أو حتى في تجريديات الأسماك المكونة من أجزاء متشابهة كالفقرات، أو حتى في تلك الكتل المليئة بالتفاصيل، التي تتكامل كأنها جذور أو مسارب متنامية، تلتقي باسلوب معبر، هذا هو أحمد كنعان فنان محكوم للجغرافيا والتاريخ، لكنه ببساطة يتخذ منهما معبرا للتغيير والتعبير عن إثبات الهوية.
         الفارس بالنسبة لكنعان هو الحلم العربيإذ أن حركة وشكل الحصان وطريقة المعالجة اللونية تشكل قيمة تعبيرية في هيأة الحصان الفارس،والذي يتشكّل من فرسان صغار في شكل انبعاث، وهو معنى رمزي دال على أن هذه الحركة هي حركة مجموع وليست حركة فرد بعينه . وهوتكرار في الرموز بشكل زخرفي عمل عليه كنعان في تماثيل  سابقة، مثل السمكة الكبيرة التي تشكّلها أسماك صغيرة، وتمثال داود وجليات حيث( يتشكّل المقاوم الفلسطيني الكبير من مقاومين أصغر حجما، يعيدنا هذا إلى فكرة التركيب والتفكيك، كوسيلة وغاية عند كنعان، التي تحدثتا عنها ، فأعماله تُخرج الفارس من كونه ماضياً أو تراثاً جميلا، لجعله فاعلا، ذا علاقة بالمستقبل لا بالماضي، منبعثاً في اللحظة؛ في كلّ لحظة ينبعث فارس )[1]
          في بعض لوحات أحمد كنعان التي تشكل جزءاً من مرحلة الفارس، يرسمه كنعان كزخرفة، تزين الحائط بأسلوب عربي إسلامي ، الفارس هنا لوحة جميلة، زخرفة على جدار،ثم في أعمال أخرى ينتقد ويسخر من هكذا فارس ويتمرد عليه ، ويرفض حبسه في خانة الماضي والتراث الزخرفي ، فيقوم ببعثه من جديد، كائنا مستقبليا متمردا، وهذا واضح في ثلاثة أعمال معنونة بـ انبعاث، خارجا من الزخرفي للواقعي  منتقلا من تكرار الوحدة الزخرفية للفارس في نفس اللوحة إلى فارس مكتمل. كأنه يريد التأكيد على أن البطولة ليست بطولة فردية وإنما هي جماعية، والفارس هنا هو حلم بهوية مفككة ومهددة، وأحمد كنعان يواصل غزل خيوطها وبناء مداميكها في لعبة الفن، اللعبة الأكثر حضارية من التدمير والقتل التي يمارسها الاحتلال.
 
2008


[1]  * من دراسة مليحة مسلماني الكاتبة والباحثة الفلسطينية التي  تعد رسالتها لنيل درجة الدكتوراه في تمثيلات الهويّة في الفن الفلسطيني المعاصر: الداخل نموذجاً.