الفارس موتيف فني جميل يتناوله كنعان بفنية ناجحة

 ابراهيم مالك

امتاز أحمد كنعان با لتجد يد الدائم في عمله الفني وحرص في كل معرض ، شارك فيه ،على مفاجأ ة المتلقي ، المشاهد والمشاهدة ، بمضمون الفكرة

   امتاز  أحمد  كنعان  با لتجد يد  الدائم  في  عمله  الفني  وحرص في  كل  معرض ، شارك  فيه ،على مفاجأ ة  المتلقي ، المشاهد والمشاهدة  ،  بمضمون  الفكرة ، التي  يتوخاها ، وبجمالية  الألوان  وتوزيعها ، غير  المنفر ، فوق  قطعة  القماش   والتركيز  على  استخدام  وسا ئل  الكشف  عن  البؤرة -  المركز  في  اللوحة ، كالضوء  المعكوس  بالألوان ، ودقة الحركة التي  ترسم  حدود ، أبعاد  ومضمون  المنحوتة.
     شدّتني  أعماله  الجديدة  وذكّرتني  حالا  بالمشربيا ت  التي  تظهر أكثر   مما  تخفي  وجوه  نساء جميلا ت ومبتسما ت بشكل  يثير  في  المرء  المتلقي  حالة  من  التحدّي  والسخرية . وهي عادة  ستائر  خشبية ، معمولة  بشكل  هندسي  جميل ، توضع  في  المجتمعات  التقليدية  المحافظة في  سوريا  واليمن  وبلدان  الشمال  الأفريقي  وفي  الأندلس ،. والهدف منها  منع  التلصّص  المتطفل  والنظر  الى  حرمات  البيوت  والى  النساء  المحجوزات  فيها  بشكل  خاص  . كما  انها  تمكّن  من  يجلس  خلفها  رؤية  الفضاء  الذي  تسمح  به  فتحة  النافذة ورصد  كل  حركة  فيه ، وتمكّن  من  دخول  الهواء  الى  فضاء  البيت  الداخلي .تظهر  اللوحة  وجوها  نسائية  جميلة  ، تعلوها  ابتسامة  منفرجة. لا أدري   ما  إذا كان  الفنان تعمّد  أن  تكون  ابتسامات  بلهاء أم  ساخرة ، أم  أنها  ابتسامات  متحدية  لواقع  رهيب ،يفرض  على  المرأة  النظر  الى  عالمنا  عبر  الفتحات  الضيقة  للمشربيات  المذكورة . ونستطيع  فهم  نقد  الفنان  لهذه الوضعية ، حين  نلاحظ  أنه  وضع  شبه  اطار  لهذه  المشربيات ، يكشف  عن  خيول  يعتليها  حرس  على  شكل  رجا ل ، كأن  المرأة  محاصرة ليس  فقط  بالمشربيا ت ، بل  كذلك  بالاطار  المذكور .
    تأملت  اللوحة  ذات  الألوان  الصارخة ، فالوضعية  التي  تتحدّث  عنها  صارخة  ومستفزة ،شعرت  لحظتها  كأنها  تخاطبني ، تخاطب  هاجسا  ألمّ بي ، هاجس  وضعية  المرأة  في  مجتمعاتنا  العربية . رأيت  فيها ، أنّه  من  الصعب  معرفة  من  هنا  الأسير ، من  يقف  قبالة  المشربيات ، أمامها أو من  يقف  خلفها ؟ . فالحرية  الاجتماعية  لا  تكون  حقا  الاّ  اذا  كانت  الحرية  كلية  وشاملة  ، يتمتّع  بها  الرجل  والمرأة  على  حد  سواء  . وإذا أمعنا  النظر في  اللوحة  نجد  أنّ  الابتسامات تكشف عن  نوع من التحدي ، الذي  يميّز  نظرات  وتطليعا ت  تلك  الوجوه .
                                                                           
      لقد شد انتباهي أن الفنان بدأ يعير ، في تطوُّرِه الفني الملحوظ ، مسألة التركيز على موتيف معين ، يختاره واعيا ، يتناوله من زوايا رؤيوية فنية وتقنية مختلفة وبأشكال قد تبدو لأول وهلة للمتلقي البسيط متكررة ومستنسخة ، وإن هي في حقيقتها ليست كذلك ، بل أشبه بإيقاعات مختلفة ومكملة الواحد للآخر . ويحاول من خلاله عكس ما يدور في نظره . والموتيف المعني الذي كثيرا ما يواجه المتلقي الزائر للمعرض هو الفارس . ويظهر هذا الفارس في الأعمال الفنية المختلفة ، كفكرة مُجسَّمة فنيا ، كالفارس المنقذ وأكثر ما يظهر ذلك في لوحة صلاح الدين الفارس المؤمَّل والمرتقب . ويظهر هذا الفارس ، كفارس أحلام ، تنتظره الفتاة والشابة التي تحلم بمن يجيئها على ظهر حصان أبيض وينقلها الى عشِّ الحياة الزوجية السعيد . وهناك الفارس المختبىء خلف ستور حديدية وخشبية ، وكأن بفناننا ينتظر لحظة تركه الاختباء ليمارس من بعده حياة حرة وكريمة.
     وقد استوقفني كثيرا العمل الفني الذي يظهر فيه شخص متقدم في السن نسبيا ، يمضي في طريق طويل لا تبدو نهايته للرائي ويحيط بالرجل وبالطريق شخوص ، غير واضحة الملامح كأنَّها شخوص فرسان مختبئة ومموهة ، وكأنِّي بأحمد الفنان ينقل لنا بريشته صورة واقع نعيشه ، صورة الإنسان الفلسطيني الذي يغذ السير في درب الشتات وحيدا وبلا مّسعف أو نصير .
   وأكثر ما لفت انتباهي لوحة ملكتي التي سار أحمد كنعان في رسمها مُتتبعا خطى الرسامين الكبار العالميين والعرب الذين خلدوا زوجاتهم برسومات زاهية وجميلة ، تكشف عظمة التقدير ، حتى العبادة ، والحب الذي يشعرونه نحو شريكات حياتهم . وهو حب لا يشيخ ولا يعرف الملل . يتجدَّدُ كالفصول .
اختار أحمد واعيا موتيف الفارس . وهو موتيف في نظري جميل بتنوعه،لكنه موتيف مُشكِل،في نظري المعرفي،بيد أنَّ هذا لا ينتقص أبدا من جماليته الفنية . وآمل أن يتمكن الفنان أحمد كنعان في تطوير تناول هذ الموتيف أو غيره مستقبلاً رغم الإشكال المعرفي الذي فيه ويسهم ، كما عودنا حتى هذا اليوم ، في تقدّم حركتنا الفنية.