بسبب الحظر الذي فرضته الديّانة الإسلاميّة منذ تأسيسها على صناعة تمثال إنسان وتمثال حيوان، التجأ فنّانوها إلى فنّ الزخرفة والتّزيين وأبدعوا فيه. ومن بين ثنايا التقييدات أنبت |
بسبب الحظر الذي فرضته الديّانة الإسلاميّة منذ تأسيسها على صناعة تمثال إنسان وتمثال حيوان، التجأ فنّانوها إلى فنّ الزخرفة والتّزيين وأبدعوا فيه. ومن بين ثنايا التقييدات أنبت الفنّ الإسلامي وفرة من النماذج الهندسيّة الفاتنة، أشكال وخطوط تتشابك وتتداخل مع بعضها البعض، ناهيك عن الغنى الوفير الذي لا حدّ له في اللون والشّكل. لذلك، حتّى اليوم، حيث لم يعد الحظر قائمًا تقريبًا، يستمرّ العديد من الفنّانين باستعمال كل تلك الموتيفات الزّخرفيّة. أصبحت الزّخرفة العربيّة والأشكال الهندسيّة لدى أحمد كنعان، من خلال التّعمّق المتواصل بالماضي وبالتّراث العربي، علامة فارقة وجزءًا لا يتجزّأ من عمله.
أسلوب آخر قام أحمد بتطويره، لكن ما زال تأثير ذلك الفنّ التّزييني ظاهر فيه، هو استعمال المشربيّة، وهي سياج خشبي أو سياج من الباطون المخدّد، موجود على شرفات البيوت، ويشكّل بمثابة فصل جزئيٌّ بين البيت والشّارع. وهي تخفّف من شدّة الرّيح والشّمس وتسمح لسكّان البيت بالنّظر إلى ما يحدث خارجه، دون أن يستطيع أحد النّظر إلى الدّاخل.. وفعلا، هذا الحائط الحاجز يذكّر في تصميمه بالشبكة، لكونه بمثابة سطح أُسقطت منه أشكال هندسيّة مختلفة. يرسم أحمد مناظر الشّارع والمشاهد التي يراها هو نفسه من خلال المشربيّة. يمكن الادّعاء بأنّ الفنّ من خلال المشربيّة يأتي من مكان يشعر فيه الفنّان بأنه محاصر، غير منتمٍ، ويمثّل نوعًا من الإغلاق، إن كان نابعًا من منطلقات اختيارية أو من انعدام حرية الاختيار.
أسلوب آخر يتميّز به أحمد هو التفكيك والتّركيب واستخدام التضافرية. أي، أخذ الكامل وتحويله إلى أكثر من مجموع جميع أجزائه. العمليّة الّتي طوّرها أحمد تحتوي على مسطّح اقتطعت منه التّفاصيل وصهرت من جديد لتشكّل عملاً فنّيًّا آخر. في هذا النّوع من الأعمال الفنيّة تتحوّل الزّخرفة إلى فرضيّة. المبدأ التّصميمي يعبّر عن المضمون الفكريّ للعمل، وأما الاقتطاع فهو مثله مثل صهر التّفاصيل في كتلة واحدة كبيرة تكون بمثابة التعبير الذي رمى إليه الفنّان نفسه.
عمومًا، يمكن القول إنّ التّزيين في أعمال أحمد كنعان الفنّية تظهر أحيانًا كخلفيّة مرئيّة، كطبقة شكليّة، لكنها في أغلب الأحيان تخدم كستار، مُطَرّ أو مُضِلّ، تبرعم عن طريقه أفكار الفنّان وأحاسيس قلبه. ينكشف المتلقي إلى مضامين ثقيلة والى ألم من خلال الواجهة المزخرفة.
معظم أعمال أحمد كنعان الفنيّة في هذا الكتالوج تابعة لسلسلة جديدة سُمّيت الفارس. في أعماله هذه يظهر الحصان مع راكب كتشبيه يمثّل القائد، المحارب، الجندي، الشعب. أحيانًا يكون منتصبًا وأحيانا يكون ملقًى أرضًا، أحيانًا يكون منتصرًا في المعركة وقويًّا، وأحيانًا يكون مهزومًا وضحيّةً. التّشبيه المختار مستقى من حنين الفنّان لتلك الأيّام التي كانت فيها الأمّة العربيّة على ظهر الحصان. وهكذا، فإنّ نسيجًا ساذجًا كما يبدو من الطّبقات والأشكال، يتحوّل أحيانًا إلى مقولة شاملة وقويّة، وفي بعض الأحيان إلى مقولة حادّة. المبنى الّذي تركيبته فارغة و/أو مركّبة من العديد من الخيول يتحوّل إلى مقولة عن شعب من دون لون ومن دون قائد مُقارنةً مع الطّاقة الكامنة لتغيير هذا الوضع.
2005
ترجمة رؤى للترجمة –حيفا
* نافا شوشاني - فنانة ومنظمة معارض
|